image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

القضاء على الفقر وليس القضاء على الفقراء

يتزايد حضور الصين في كل لحظة، ففي العقود الأخيرة تضاعفت قدرات الصين الاقتصادية والصناعية والتقنية والتجارية حتى أصبحت في كل بيت ومزرعة ومصنع ومشفى ومدرسة، مما أكسب النموذج الصيني مناعة وثقة في بلورة وتطوير النموذج الصيني في التنمية، حيث جذور الثقافة والحكمة الصينية وحيث العبقرية الصينية الرائدة والحديثة في مجال الابتكار وثقافة الاختراع، التي جعلت المنتج علامة ثقافية أكثر منها علامة تجارية عبر جغرافية العالم ومن خلال احتياجات الإنسان على وجه المعمورة..

لقد حددت الأمم المتحدة عام 2030 عاماً للقضاء على الفقر في العالم. وكان هدف «القضاء على الفقر» في مقدمة أهداف التنمية السبع عشرة وخطة التنمية المستدامة المنشودة. لكن وبرغم محدودية ما تحقق من إنجازات على صعيد الهدف الأول في مجال القضاء على الفقر، إلا أن وباء كوفيد 19 وانتشاره السريع والخطير قضى على الإنجازات وقوّض تقريباً كل ما تحقق في مسار القضاء على الفقر، بل إن أرقام الفقر في العالم تفاقمت وأعادت العالم للوراء في كل أوجه الفقر ومسبباته من مجاعات وبطالة وتدهور في الحقوق الأساسية للإنسان، وفي ظل محاولات الدول الغربية ذات التاريخ الاستعماري استعادة هيمنتها على الدول واستغلالها للشعوب ومواردهم الطبيعية.



لكن الصين وبفضل النموذج التنموي الصيني المتجذر في الثقافة الصينية والمنبثق من العبقرية الصينية، استطاعت أن تقضي على الفقر رغم أنها عانت من كورونا كما عانت كل دول العالم. ففي 25 فبراير 2021 احتفلت الصين ومن خلال المؤتمر الوطني للاحتفال بالقضاء على الفقر المدقع وتكريم نماذجها المثالية في مكافحة الفقر في بكين، وأعلن الرئيس الصيني رسمياً أن الصين قد حققت «انتصاراً كاملاً» في معركتها ضد الفقر؛ وقد هنأ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش الرئيس الصيني شي جين بينغ على الإنجازات التاريخية في القضاء على الفقر.

لقد تبنّت الصين النظام الاقتصادي الريفي للحد من الفقر والتخفيف من حدته من خلال ما يعرف بالتنمية الإقليمية على نحو شامل، وذلك بالتدرج من 1) الإغاثة إلى 2) التنمية ثم 3) المشاركة. فقد اقتضت الخطة التدرج في تحديد خط الفقر ورفع معدله بالتزامن مع التدرج من القرى والمحافظات والأقاليم والمستوى الشامل.

فمنذ عام 1986 بدأت الحملة بتحديد خط الفقر بـ 206 يوانات، حينئذ كان عدد الفقراء 125 مليون نسمة في الصين تبعاً لخط الفقر هذا، ثم تم رفعه إلى 500 يوان، ومنها تم رفعه إلى 865 يواناً، ومن ثم تم رفعه إلى 1,196 يواناً وصولاً إلى عقد المؤتمر المركزي لأعمال التنمية والتخفيف من حدة الفقر سنة 2011 في بكين حيث تم تثبيت خط الفقر عند 2,300 يوان بشكل شامل.

ومنذ مطلع هذا القرن أخذ النموذج الصيني ينحو باتجاه بناء مجتمع رغيد للحياة بشكل شامل حيث تم إدخال الكثير من التعديلات في سبيل الاستمرار بتخفيف الفقر. فقد تم استهداف 150 ألف قرية فقيرة من خلال 592 محافظة فقيرة كمستهدفات للعمل الوطني للقضاء على الفقر.

إنها الحوكمة الصينية للفقر وسبل معالجته والحد منه وصولاً للقضاء عليه، هو ما جعل التجربة الصينية تنجح في القضاء على الفقر قبل الموعد العالمي للقضاء على الفقر الذي حددته أهداف الأمم المتحدة للتنمية.



فلماذا نجحت الصين من حيث فشل الآخرون؟ ولماذا قضت الصين على الفقر، بينما تفاقمت مشكلات الفقر في العالم بما فيه العالم الغربي الرأسمالي؟ الإجابة تقتضي مراجعة المنهجية الغربية المعمول بها في التنمية من ناحية، كما تقتضي مراجعة سلوك حكومات الدول الغربية الاستعماري والكشف عما تخفيه هذه الحكومات ضد البشرية في سبيل استدامة الاقتصاد الاستعماري واستغلالها لدول العالم.

لقد كشفت لنا حرب الكيان الصهيوني الغاصب على غزة حجم التناقض بين ادعاءات الحكومات الغربية وأفعالها. هناك فجوة مرعبة بين سلوكيات الحكومات الغربية و«الإنسانية»، مثلما أن هناك فجوة أخلاقية وقانونية وإنسانية بين الحكومات الغربية ومستهدفات التنمية البشرية!

السبب هو أن الحكومات الغربية لا تزال تعتاش على «الاقتصاد الاستعماري» رغم تحرر مستعمراتها، حيث تعمل حكومات الدول الغربية الاستعمارية على استدامة الحروب ونشر الإرهاب في الدول العربية والأفريقية، في سبيل استدامة الاقتصاد الاستعماري، وهذا يتناقض مع أبسط حقوق الإنسان ناهيك عن التناقض مع مبادئ القانون الدولي الذي وضعته نفس هذه الحكومات الغربية، واحتفظت من خلاله لنفسها بكل الامتيازات مثل حق النقض الفيتو ومثل البنك الدولي وغيرها.

إن من يريد أن يقضي على الفقر لا يمكن أن تكون يده ملطخة بالقضاء على الفقراء، وإن من يكون اقتصاده معتمداً على الاقتصاد الاستعماري لا يمكن أن تكون له أي مصلحة بالقضاء على الفقر.

أخيراً، إن من يريد أن يختبر إنسانية الحكومات الغربية وأخلاقياتها واحترامها للقانون الدولي عليه أن يدرس مواقف الحكومات الغربية التي كشفتها حرب الكيان الصهيوني على غزة على نحو غير مسبوق!


مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق